خارج الصندوقسياسيات متناقضةنبض الساعةهيدلاينز

هل تغيّر موسكو جلدها؟ الجنوب السوري بين تدخلات الماضي وحسابات الحاضر

خاص – نبض الشام

تناقض الدور الروسي بين حقبتين
يشهد الجنوب السوري إعادة انتشار روسي واسع في تسعة مواقع عسكرية، في خطوة تعكس تحوّلاً في حسابات موسكو بعد المرحلة الانتقالية وصعود الرئيس أحمد الشرع. وبينما تطرح روسيا نفسها اليوم كقوة استقرار وشريك للحكم الجديد، يحمل سجلها في عهد بشار الأسد إرثاً ثقيلاً من القصف والدمار والفيتو السياسي الذي أطال عمر الحرب السورية. ويعيد هذا التناقض تسليط الضوء على السؤال الأعمق: كيف يمكن لقوة لعبت دوراً مركزياً في العنف أن تعيد تقديم نفسها بوصفها ضامناً للاستقرار؟

زيارة روسية ورسائل جديدة
أجرى وفد روسي رفيع المستوى زيارة ميدانية لمحافظة القنيطرة في 17 نوفمبر، بمرافقة لجنة من وزارة الدفاع السورية، في جولة شملت مواقع كانت موسكو قد انسحبت منها بعد سقوط نظام الأسد العام الماضي. وبحسب مصدر صحفي، تسعى روسيا إلى تعزيز حضورها العسكري قرب خطوط التماس مع إسرائيل عبر إعادة الانتشار في تسعة مواقع تمتد بين القنيطرة ودرعا، في خطوة تُظهر رغبة في استعادة النفوذ في الجنوب.

غياب تركي وإدارة روسية منفردة للجنوب
وخلافاً للتسريبات حول وجود تنسيق ثلاثي، لم يضم الوفد أي ضباط أتراك، وهو ما يعكس – وفق القراءة ذاتها – توجهاً روسياً لإدارة الملف الجنوبي حصراً بالتنسيق مع دمشق، بعيداً عن تعقيدات أنقرة. وشملت الجولة مواقع نشرت فيها موسكو قواتها عام 2018 بعد اتفاقات التهجير التي أنهت وجود الفصائل المسلحة المدعومة من الخارج في محافظتي القنيطرة ودرعا.

مواقع حساسة وأهداف واضحة
تفقد الوفد موقع “تلول الحمر” القريب من خط وقف إطلاق النار مع الجولان المحتل، وهو من أكثر النقاط حساسية بسبب دوره الحيوي في مراقبة النشاط الإسرائيلي. وقررت موسكو إعادة تموضع قواتها في تسعة مواقع عسكرية ضمن استراتيجية تهدف إلى منع نشوء فراغ أمني في الجنوب، وتثبيت نفوذها في مرحلة تشهد إعادة تشكيل موازين القوى داخل سوريا.

مركز لوجستي وإعادة تأهيل القواعد
وبعد الجولة، أبقى الوفد الروسي مركزاً لوجستياً دائماً في القنيطرة لتقييم الاحتياجات الفنية والهندسية الخاصة بإعادة تشغيل المواقع التسعة، بما يشمل تأهيل البنية التحتية وخطوط الإمداد. وتُشير التوقعات إلى بدء تنفيذ خطوات الانتشار خلال الأسابيع المقبلة، مع إعلان تدريجي عن إعادة فتح بعض القواعد قبل نهاية العام.

الدور الروسي بين عهد الأسد وعهد الشرع
يرى محللون أن عودة روسيا إلى القنيطرة لا يمكن فصلها عن سجلها الطويل في الحرب السورية خلال عهد بشار الأسد. فقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها الصادر في سبتمبر 2024 مقتل 6969 مدنياً بينهم أكثر من ألفي طفل جراء التدخل الروسي منذ 2015، إلى جانب ارتكاب 362 مجزرة واستهداف 1251 منشأة حيوية، بينها مدارس ومراكز طبية، بالإضافة إلى تنفيذ أكثر من 230 هجوماً بالذخائر العنقودية، والتسبب بتهجير 4.9 مليون شخص.

كما استخدمت موسكو 18 فيتو في مجلس الأمن لمنع أي إدانة لنظام الأسد أو تحقيقات مستقلة، ما جعلها اللاعب الأكثر تأثيراً في إطالة أمد الحرب وإضعاف أي عملية سياسية.

تغيّر السياق في عهد الشرع
اليوم، وفي ظل حكم الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، تحاول روسيا تقديم نفسها بطريقة مختلفة. فبينما كان تدخلها في عهد الأسد مرتبطاً بالقمع والعمليات العسكرية الواسعة، فإن تحركاتها الحالية تركز على إعادة التموضع وضبط الحدود الجنوبية ومنع حدوث فراغ أمني قد تستغله قوى إقليمية.

وتزامنت هذه التحركات مع وصول وفد كبير من وزارة الدفاع الروسية إلى دمشق وحديث هاتفي بين فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو، أعقب زيارة الشرع إلى موسكو، ما يشير إلى أن الجنوب كان محوراً أساسياً في النقاش.

لكن التناقض جوهري: روسيا التي أصبحت اليوم جزءاً من ترتيبات الاستقرار، هي ذاتها القوة التي ساهمت بشكل كبير في انفجار الحرب وتعميق مآسي السوريين خلال السنوات الماضية.

حسابات النفوذ والضغط المتبادل
بحسب مراقبون، أي تمدد روسي جديد في الجنوب سيضع دمشق أمام معادلة حساسة: فالإفراط في الاعتماد على موسكو قد يقود إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، التي تحتفظ بقدرة واسعة على التأثير في ملفات اقتصادية وسياسية وأمنية لا يمكن لسوريا الجديدة تجاوزها بسهولة.

حساسية الحدود مع إسرائيل
كما يرى محللون أن إعادة التموضع الروسي قرب الجولان يعيد خلط الأوراق في منطقة تخضع لحسابات دقيقة بين الردع والتهدئة والاتفاقات الأمنية غير المعلنة، ما يجعل كل خطوة روسية محط مراقبة إسرائيلية دقيقة.

جنوب يتغيّر وروسيا تبحث عن دور جديد
تدخل روسيا اليوم الجنوب السوري بوجه مختلف، بين إرث ثقيل في عهد الأسد ومحاولة لصياغة دور أكثر قبولاً في عهد أحمد الشرع. وبين قاعدة نفوذ تسعى موسكو لحمايتها وتوازنات دولية يجري إعادة رسمها، يبدو الجنوب السوري مقبلاً على مرحلة جديدة. ويبقى السؤال: هل تستطيع روسيا فعلاً لعب دور الضامن بعد أن كانت أحد أبرز صانعي المأساة؟ الإجابة ستتضح مع إعادة فتح مواقعها العسكرية، ومع عودة اختبار النفوذ على الأرض من جديد.

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى